![]() |
![]() |
روابط مفيدة : استرجاع كلمة المرور| طلب كود تفعيل العضوية | تفعيل العضوية
| آخر 10 مشاركات |
|
|||||||
![]() |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع | تقييم الموضوع | طريقة عرض الموضوع |
|
|
المشاركة رقم: 1 | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
المنتدى :
ســـــــــــاحة أهل السنة والجماعة
الناظر في أمر الفتيا، وحال الإفتاء يجد فوضى عريضة، وتناقضات غريبة، وتعالماً مزرياً، وجرأة عجيبة؛ فهذا يهدم بفتياه أصلاً شرعياً مقرراً، وذاك الـمَعْلَم الثالث: ليكن الحق هو طَلِبَتك ومقصودك: وهذا الـمَعْلَم هو أمُّ المعالم وأصلها، وهو الذي إن صح صح للمرء مسلكه في الاستفتاء، واتضح الحق له، واستنار قلبه، وأشرقت روحه، ومتى ما كان مُقْصىً مبعداً، كانت الوحشة والظلمة، وكان الحق بمعزل. وقد تقرر أن واجب المستفتي عند الجهل بالشرع سؤال أهل الذكر، وهذا السؤال عبادة يشترط فيها ما يشترط في العبادة من إخلاص ومتابعة، فتجريد الإخلاص أن يكون الرب هو المقصود، والمتابعة الواجبة تكون بسؤال أهل الذكر، على وجه يوصل إلى الحق. ومن الأصول المقررة أن مرجع المسلم أياً كان ـ عالماً أو عامياً ـ عند الاختلاف هو الكتاب والسنة طلباً لإصابة الحق وتحقيق مراد الرب. يقول الله ـ تعالى ـ: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ} [الشورى: 10]، ويقول ـ تعالى ـ: {فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: 59]؛ فالرد لله ورسوله واجب من الجميع، وهو مَعْلَمٌ بدهي مستقر عند المسلمين جميعاً، بل هو مقتضى وحقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ وعليه فالعالم يطلب حكم الله ـ جل وعلا ـ بنظره واجتهاده في دلائل الكتاب والسنة، والعامي يطلب ذلك بتوسيط العالم في فهم الكتـاب والسـنة لعـجزه وقصـوره عـن هذه الرتبة. يقول يزيد ابن هارون: (إن العالم حجتك بينك وبين الله تعالى؛ فانظر من تجعل حجتك بين يدي الله تعالى)(1)، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فأئمة المسلمين الذين اتبعوهم وسائل وطرق وأدلة بين الناس وبين الرسول يبلغونهم ما قاله، ويفهمونهم مراده بحسب اجتهادهم واستطاعتهم)(2)، وهذا الرد للكتاب والسنة هو المخرج للإنسان من داعية هواه ليكون عبداً لله. يقول الإمام الشاطبي: (إن في مسائل الخلاف ضابطاً قرآنياً ينفي اتباع الهوى جملة، وهو قوله ـ تعالى ـ: {فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} وهذا المقلِّد قد تنازع في مسألته مجتهدان، فوجب ردها إلى الله والرسول وهو الرجوع إلى الأدلة الشرعية، وهو أبعد من متابعة الهوى والشهوة؛ فاختياره أحد المذهبين بالهوى والشهوة؛ مضاد للرجوع إلى الله والرسول)(3)، والعالم المجتهد متى ما استفرغ وُسْعَه وبذل الجهد الواجب في تطلُّب الحق كان مأجوراً بكل حال أصاب الحق أو أخطأه؛ فإن كانت الإصابة فقد أصاب أجرين؛ وإلا كان له أجر واحد وخطؤه مغفور. يقول النبي #: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»(4)، فإن قصَّر في الاجتهاد وفرط في النظر وأفتى دون إعمال الفكر الواجب كان الإثم، أصاب الحق بفتياه أو أخطأه. ويقال في المستفتي ما قيل في المفتي، إن استفرغ وُسْعَه في تطلُّب العالم الصالح لأن يفتي، وأحسن السؤال، وتجرد عن دواعي الأهواء أن تحرفه عن تطلب الحق، وكان الحق هو طَلِبَته ومقصوده، كان مأجوراً بكل حال أصاب الحق أو أخطأه. أما إن كان الحق غير مقصود بل المقصود غيره؛ فنية فاسدة يأثم بها أصاب الحق أو أخطأه. والله المستعان. يقول الباجي مبيناً حال هذا الصنف من المستفتين: (وكثيراً ما يسألني من تقع له مسألة من الأيْمان ونحوها: لعل فيها رواية؟ أو لعل فيها رخصة؟ وهم يرون أن هذا من الأمور الشائعة الجائزة، ولو كان تكرر عليهم إنكار الفقهاء لمثل هذا لما طولبوا به، ولا طلبوه مني ولا من سواي، وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز ولا يسوغ ولا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا بالحق الذى يعتقد أنه حق رضي بذلك من رضيه وسخطه من سخطه، وإنما المفتي مخبر عن الله ـ تعالى ـ في حكمه؛ فكيف يخبر عنه إلا بما يعتقد أنه حكم به وأوجبه، والله ـ تعالى ـ يقول لنبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49] الآية، فكيف يجوز لهذا المفتي أن يفتى بما يشتهي، أو يفتي زيداً بما لا يفتي به عَمْراً، لصداقة تكون بينهما أو غير ذلك من الأغراض؟ وإنما يجب للمفتي أن يعلم أن الله أمره أن يحكم بما أنزل الله من الحق، فيجتهد في طلبه وينهاه أن يخالفه وينحرف عنه. وكيف له بالخلاص مع كونه من أهل العلم والاجتهاد إلا بتوفيق الله وعونه وعصمته؟)(5). وإذا نظـرنا في أمر الاستفتاء نلحظ أنه ما وُضِع أصلاً إلا طلباً لحكم الله ـ جل وعلا ـ خروجاً من تحكيم الهوى، وإلا لو كان الهوى هو المطلوب وهو المقصود، لكان الاستفتاء عبثاً، ولذا يقول الإمام الشاطبي في كلام نفيس: (وأما إن كان عامياً فهو قد استند في فتواه إلى شهوته وهواه؛ واتباعُ الهوى عينُ مخالفة الشرع، ولأن العامي إنما حكَّم العالم على نفسه ليخرج عن اتباع هواه، ولهذا بعثت الرسل وأُنزلت الكتب؛ فإن العبد في تقلباته دائر بين لَـمَّتين: لمةِ مَلَك، ولمة شيطان؛ فهو مخير بحكم الابتلاء في الميل مع أحد الجانبين، وقد قال ـ تعالى ـ: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا #!7!#) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7 - 9]، {إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِرًا وَإمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3] ، {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10]، وعامة الأقوال الجارية في مسائل الفقه إنما تدور بين النفي والإثبات والهوى لا يعدوهما؛ فإذا عرض العامي نازلته على المفتي فهو قائل له: أخرجني عن هواي، ودلني على اتباع الحق؛ فلا يمكن والحال هذه أن يقول له: في مسألتك قولان، فاختر لشهوتك أيهما شئت! فإن معنى هذا تحكيم الهوى دون الشرع، ولا ينجيه من هذا أن يقول: ما فعلت إلا بقول عالم؛ لأنه حيلة من جملة الحِيَل التي تنصبها النفس وقاية عن القال والقيل، وشبكة لنيل الأغراض الدنيوية، وتسليطُ المفتي العاميَّ على تحكيم الهوى؛ وبعد أن طلب منه إخراجه عن هواه رمى به في عماية وجهل بالشريعة وغش في النصيحة)(6). وإن إخلاص القلب لله طلباً لإصابة أمره وحكمه واجب، ومتى ما اتضح للمستفتي هذا الوجوب، وامتلأت به نفسه وروحه، فإنه سيحمله على بذل ما يقدر عليه في سؤال من تبرأ الذمة بسؤاله، ولا يضيره بعد ذلك أصابه أو أخطأه، كما سيحمله على الترجيح الشرعي الصحيح عند اختلاف المفتين، فلا يأخذ بالأيسر لمجرد الترخُّص، أو بالأشق لمجرد الاحتياط، أو بقول الأكثر؛ لأنه قول الأكثر، بل لا يأخذ بالقول إلا طلباً للحق، فيرجح بين أقوالهم بلون من ألوان الترجيح. يقول الشاطبي: (وأما اختلاف العلماء بالنسبة إلى المقلدين فكذلك أيضاً لا فرق بين مصادفة المجتهد الدليل ومصادفة العامي المفتي؛ فتعارض الفتويين عليه كتعارض الدليلين على المجتهد؛ فكما أن المجتهد لا يجوز في حقه اتباع الدليلين معاً ولا اتباع أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح؛ كذلك لا يجوز للعامي اتباع المفتيين معاً ولا أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح)(1)، ويقول: (فالمجتهدان بالنسبة إلى العامي كالدليلين بالنسبة إلى المجتهد؛ فكما يجب على المجتهد الترجيح أو التوقف فكذلك المقلد، ولو جاز تحكيم التشهي والأغراض في مثل هذا لجاز للحاكم وهو باطل بالإجماع)(2). فيقال فيمن اختلف عليه مفتيان ما يقال في مريض اختلف عليه طبيبان مثلاً: أحدهما يقول في ورم أصابه: أمره سهل يسير ولا تشغل بالك، وأعطاه بعض المراهم. وآخر يحذره مغبتها، وأنه ورم سرطاني ينبغي المبادرة في استئصاله؛ فكيف ستـكون حاله: أتراه يبادر إلى الأخذ بقول الأخف منهما؛ لأنه ما يتمناه في الباطن، أم سيسعى في الترجيح بينهما بالأخذ بقول الأعلم، أو الأخبر، أو المختص، أو بالنظر في دلائل هذا وهذا وما يقدمه كل من براهين، أو بسؤال ثالثٍ يرجح قول أحدهما؟ وهكذا، بل لو قُدّر أنه لم يستطع الترجيح بين القولين المتعارضين إلا بشيء يقع في قلبه، أو برؤيا منام، لساغ له العمل به وهو خير من الإقدام على أحد القولين بغير مرجح البتة. يقول الخرقي: (إذا اختلف اجتهاد رجلين اتبع أوثقهما في نفسه)(3). ويقول الإمام ابن القيم: (فإن اختلف عليه مفتيان فأكثر فهل يأخذ بأغلظ الأقوال، أو بأخفها، أو يتخير، أو يأخذ بقول الأعلم، أو الأورع، أو يعدل إلى مفت آخر فيـنظر من يوافـق من الأولين فيعمل بالفتوى التي يوقع عليها، أو يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه؟ فيه سبعة مذاهب، أرجحها السابع، فيعمل كما يعمل عند اختلاف الطريقين أو الطبيبين أو المشيرين)(4)، ويقول في مسألة العامي إذا لم يجد من يفتيه: (والصواب أنه يجب عليه أن يتقي الله ما استطاع، ويتحرى الحق بجهده ومعرفة مثله، وقد نصب الله ـ تعالى ـ على الحق أمارات كثيرة، ولم يسوِّ الله ـ سبحانه وتعـالى ـ بـين ما يحبـه وبـين ما يسخـطه مـن كـل وجه بحـيث لا يتميز هذا من هذا، ولا بد أن تكون الفطر السليمة مائلة إلى الحق مؤثرة له، ولا بد أن يقوم لها عليه بعض الأمارات المرجحة ولو بمنام أو بإلهام؛ فإن قدر ارتفاع ذلك كله وعدمت في حقه جميع الأمارات فهنا يسقط التكليف عنه في حكم هذه النازلة، ويصير بالنسبة إليها كمن لم تبلغه الدعوة، وإن كان مكلفاً بالنسبة إلى غيره؛ فأحكام التكليف تتفاوت بحسب التمكن من العلم والقدرة. والله أعلم)(5)، وهذا كلام علمي عالٍ لو وجد طريقه إلى الجمهور وتحقق العمل به لزال كثير مما يُرى من اضطراب في أبواب الاستفتاء، ولامّحت كثير من صور التضجر من اختلاف العلماء، ولهان الخطب، لكن المشكلة أن تطلُّب الحق قليل، والهوى غلاب، والنفوس ضعيفة والله المستعان، واعلم أن تطلُّب الحق هذا إنما يكون بالتجرد عن كل طَلِبَةٍ إلا هو، فلا هوى يُقدَّم، ولا عادة تُحكَّم، ولا عصبية تُعمي وتُصم. وقضية التجرد هذه ليست بالسطحية ولا بالسهولة التي يظنها البعض؛ إذ الأهواء أهواء ظاهرة جلية وأهواء دقيقة خفية؛ فلو سلم من الهوى الظاهر فأنَّى له أن يسلم من خَفِيِّه إلا بمجاهدة ومصابرة ومحاسبة وعسى، وليس المقصود الإعنات أو التعسير كلاَّ، وإنما التنبيه لما يعتري البعض من هوى خفي دقيق لا يُتنبه له فيكون سبب الانحراف وأصل الهلاك، كإلف قول، أو محبة متبوع، أو كراهية مفت، أو تشدد طبع، أو تساهل نفس، أو عجب وغرور، أو تقدم ورياسة، أو مال وعيشة، أو مراعاة لمذهب، أو تعصب لطائفة، أو ابتلاء بمسألة، أو نشأة على رأي، أو اختيار متقدم، أو حاجة إلى حكم وهكذا؛ فمتى ما حصن المرء نفسه من هذه جميعاً وتوجه للحق بكليته، كانت الإصابة وكان الأجر، وإن لم يوفق للحق في المسألة، فقد أصاب المطلوب منه بما بذله من نفسه وعقله وروحه وقلبه في تطلب الحق، ومثل هذا القلب المستنير بمثل هذه المعاني جدير أن يستفتى ويراعى ساعة الاستفتاء، ومثله مقصود بقول النبي #: «استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك»، ولا بد من وقفة مع هذا الحديث، فإلى الـمَعْلَم الرابع. الـمَعْلَم الرابع: استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك: هذا الـمَعْلَم متصل بالمعلم السابق ومفرَّع عليه، وأصله مأخوذ من حديث وابصة الأسدي أنه قال: أتيت رسول الله #، وأنا أريد أن لا أدع شيئاً من البِر والإثم إلا سألته عنه، وإذا عنده جمعٌ، فذهبت أتخطى الناس، فقالوا: إليك يا وابصة عن رسول الله #! إليك يا وابصة! فقلت: أنا وابصة دعوني أدنو منـه؛ فإنه مـن أحب النـاس إليَّ أن أدنـو منه، فقال لي: «ادنُ يا وابصة! ادن يا وابصة!» فدنوت منه حتى مست ركبتي ركبـته، فـقال: «يا وابـصة! أخبـرك مـا جئـت تـسألني عـنه، أو تسألني؟» فقلت: يا رسول الله، فأخبرني! قال: «جئت تسألني عن البر والإثم»، قلت: نعم! فجمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها في صدري ويقول: «يا وابصة! استفت نفسك(6)، البِرُّ ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس. قال سفيان: وأفتوك»(7)، وقد تباينت مواقف العلماء من هذا الحديث، ومدى إعماله، وكيفية ذلك، والصواب أن النص ثابت صحيح، وأنه محل للعمل؛ وذلك في مجالات وأحوال، ترجع إلى طبيعة المستفتي وقلبه، وحال المفتي، وطبيعة الاستفتاء، وحال الفتيا، وتفصيل هذا الإجمال فيما يلي: 1 ـ أنه يشترط لتفعيل هذا النص أن يكون القلب سليماً كما تقدم، فالقصد هو الرب جل وعلا، لا تحصيل فتيا معينة، متابعة لهوى النفس ورغباتها؛ إذ القلب المشحون بالهوى مصروف به عن الحق؛ فأنى له أن يُستفتى، وهذا بيِّن بحمد الله؛ فهذا الحديث حرام على كل قلب مريض بشبهة أو شهوة. 2 ـ أن يعرض للمفتي أمر يدل على ضعف علم، أو قلة صدق، أو متابعة هوى أو غير ذلك، مما يطرح الثقة عنه، ويجرده عن لزوم المتابعة؛ إذ إن من اتصف بهذه الأوصاف فالأصل عدم الأخذ بفتياه، بل استفتاء القلب إن عرض للمستفـتي أمـر وظـهر على المفـتي أمـارات تعجُّل أو فتيا بظن أو ميل إلى هوى أو بغير حجة ولا دليل مشروع، بشرط أن يكون القلب سليماً من الآفات كما تقدم، وفي ذلك يقول الحافظ ابن رجب: (وهذا ـ أي الحديث السابق ـ إنَّما يكون إذا كان صاحبُه ممَّن شرح صدره بالإيمان، وكان المفتي يُفتي له بمجرَّد ظن أو ميلٍ إلى هوى من غير دليلٍ شرعي)(1)، ويقول الغزالي: (واستفتاء القلب إنما هو حيث أباح الشيء أما حيث حرم فيجب الامتناع ثم لا يعوَّل على كل قلب؛ فرب موسوس ينفي كل شيء، ورب متساهل نظر إلى كل شيء؛ فلا اعتبار بهذين القلبين، وإنما الاعتبار بقلب العالم الموفق المراقب لدقائق الأحوال، فهو المحك الذي تُمتحن به حقائق الصور وما أعز هذا القلب!) (2)، ويقول فخر الدين الرازي: (والضابط في جميع الأفعال والأقـوال والاعتـقادات أن كل ما كـان لطلب عبودية الله ـ تعالى ـ كان حسناً وإلا فلا، وههنا يظهر صدق ما روي في الأثر: «استفت قلبك ولو أفتاك المفتون» فليتأمل الرجل تأملاً شـافياً أن الذي أتـى به: هـل الحاصل والباعث عليه طلب العبودية أم لا؟ فإن أهل العلم لو أفتونا بالشيء مع أنه لا يكون في نفسه كذلك لم يظهر منه نفع ألبتة)(3). 3 ـ أما إن لم يظهر على المفتي المؤهل شيء يشي برد فتواه، وليس ثَمَّ معارض شرعي صحيح يحمل المستفتي على رد الفتيا، فليس له رد الفتيا استفتاءً للقلب، بل الواجب حمل القلب على قبول الأمر كما هو، والأصل أن المفتي هو العالم، والمستفتي جاهل؛ فأنى لهذا أن يرد كلام ذاك. يقول ابن رجب: (فأمَّا ما كان مع المفتي به دليلٌ شرعيٌّ، فالواجب على المستفتي الرُّجوعُ إليه، وإنْ لم ينشرح له صدرُه، وهذا كالرُّخَص الشرعية، مثل الفطر في السفر، والمرض، وقصر الصَّلاة في السَّفر، ونحو ذلك ممَّا لا ينشرحُ به صدور كثيرٍ مِنَ الجُهَّال؛ فهـذا لا عبـرةَ به، وقد كان النَّبيُّ # أحياناً يأمرُ أصحابَه بما لا تنشرحُ به صدورُ بعضهم، فيمتنعون من فعله، فيغضب منْ ذلك، كما أمرهم بفسخ الحجِّ إلى العمرة، فكرهه من كرهه منهم، وكما أمرهم بنحرِ هديِهم، والتَّحلُّل من عُمرة الحُديبية، فكرهوه، وكرهوا مقاضاتَه لقريش على أنْ يَرجِعَ من عامِه، وعلى أنَّ من أتاه منهم يردُّه إليهم)(4)، وهذا كلام جيد، وضـابط مهم، وبـين أنه ليس مما قبله في شيء؛ إذ عدم انشراح الـقلب ذاك لعـلم أو شـك معتـبر شرعاً كما قد تبين. أما (ما ورد النصُّ به، فليس للمؤمن إلا طاعةُ الله ورسوله، كما قال ـ تعالى ـ: {وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36]، وينبغي أنْ يتلقى ذلك بانشراح الصَّدر والرِّضا؛ فإنَّ ما شرعه الله ورسولُه يجبُ الإيمانُ والرضا به، والتَّسليمُ له، كما قال ـ تعالى ـ: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّـمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]. وأما ما ليس فيه نصٌّ من الله ورسوله ولا عمَّن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة؛ فإذا وقع ـ في نفس المؤمن المطمئنِّ قلبه بالإيمان، المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين ـ منه شيءٌ، وحكَّ في صدره لشبهة موجودة، ولم يجد مَنْ يُفتي فيه بالرُّخصة إلاَّ من يخبر عن رأيه، وهو ممن لا يُوثَقُ بعلمه وبدينه، بل هو معروفٌ باتباع الهوى، فهنا يرجعُ المؤمن إلى ما حكَّ في صدره، وإنْ أفتاه هؤلاء المفتون)(5)، ولو قدر أن المستفتي شك في فهم المفتي للسؤال، وحقيقة الحال، فليس له الأخذ بفتواه ما دام يعلم من نفسه وقلبه أنه طالب للحق، وطالب الحق إن وقف في مثل هذا الموقف لن يأخذ إلا بفتيا تنفعه مثلاً؛ لأن الحق مقصوده ومطلوبه، وهذا أمارة الصدق وعلامته، وإلا فكم من المستفتين غيـر الصـادقـين ممـن يجـزمـون بعـدم فهم المفـتي للواقعة بل قد يلبِّسون عليه في صورة الاستفتاء طلباً لفتيا معينة فيفتيهم بها فيتهللون ويفرحون ويحسبون أنهم على شيء، وأنهم قد تخلصوا من الإثم والمغرم، وأنهم قد جعلوها في رقبة عالم، ويقـولـون: من قلد عالماً لقي الله سالماً، ألا ساء ما يصنعون، ولا والله! ما هذا الصنيع بنافعهم في شيء، والله يعلم السر وأخفى، والله عليم بذات الصدور. يقول الغزالي: (فالمفتي يفتي بالظن، وعلى المستفتي أن يستفتي قلبه، فإن حاك في صدره شيء فهو الإثم بينه وبين الله؛ فلا ينجيه في الآخرة فتوى المفتي؛ فإنه يفتي بالظاهر، والله يتولى الســرائر)(6). ويـقول ابـن القـيم فـي كـلام جـامـع نفـيس: (لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه وحاك في صدره من قبوله وتردد فيها لقوله #: «استفت نفسك، وإن أفتاك الناس وأفتوك» فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولاً، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك كما قال النبي #: «من قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من نار»، والمفتي والقاضي في هذا سواء ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن سواء تردد أو حاك في صدره لعلمه بالحال في الباطن أو لشكه فيه أو لجهله به أو لعلمه جهل المفتي أو محاباته في فتواه أو عدم تقييده بالكتاب والسنة، أو لأنه معروف بالفتوى بالحِيَل والرخص المخالفة للسنة، وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها؛ فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتي يسأل ثانياً وثالثاً حتى تحصل له الطمأنينة؛ فإن لم يجد فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، والواجب تقوى الله بحسب الاستطاعة)(1). الـمَعْلَم الخامس: حسن السؤال نصف الجواب: أركان الفتيا أربعة: مفت، ومستفت، وفتيا، واستفتاء. وواجب المفتي أن يؤدي فتيا مطابقة للاستفتاء في ضوء الشريعة، وواجب المستفتي أن يعطي سؤالاً طالباً حكم الشريعة، فإن أحسن فباب الغلط في الفتيا سيضيق، وإن كانت الأخرى فقد وسَّع باب الغلط، فواجب على المستفتي أن يؤدي سؤالاً صادقاً يعبر عن صدقه في تطلب الحق، وأن يصدق في وصف المسألة، وإلا كان ذلك أمارة وإشارة إلى كدرة بالقلب، وظلمة في النفس، وطمع في جواب يحقق للشخص مقصوده خارج إطار الحق، وهذه آفة لا حل لها إلا تصحيح النية، وإصلاح القلب، ومتى ما صلح القلب صلح سائر العمل ومتى فسد فسد سائر العمل، وإن آفة الآفات في كثير من الاستفتاءات، أن تكون مضمَّنةً معاني وإشارات إلى جواب معين محدد، يطلبه المسفتي محاولاً استصدار فتوى معينة من العالم؛ فتراه يسأل مثلاً عن أمر معين معدداً من الفواحش والمنكرات فيه ما يستوجب أن يكون فتيا العامي بالتحريم فكيف بالعالم، أو يهوِّن ويهوِّن طلباً للإباحة والترخيص، وأنَّى لهم الرخصة؟ فهذا النوع من الأسئلة الملغومة، والذي يُعرف وجه الجواب قبل استكمال السؤال، غير جائز ولا مشروع، إلا إن كان تعبيراً صادقاً مطابقاً للواقع، فإن كان بخلافه فكذب على الواقع، وتضـليل للمفتـي، ودَخَن في النـية، وأضـرب لك مثـلاً منه، وما أكثره في عالم الاستفتاءات، يدل على المقصود، وينبه على الفطنة التي يجب أن يتحلى بها المفتي، فلا ينجرف مع مثل هذا السؤال، فيقع الغلط والخلط. سئل الشيخ بن عثيمين في لقاء الباب المفتوح ما نصه: (فضيلةَ الشيخ: بالنسبة لمنظمة حماس الموجودة الآن في الأرض المحتلة وما تقوم به من عمليات انتحارية وغيرها ضد اليهود، هل هذا العمل شرعي؟ علماً بأنها قد تكون سبباً في انتقام اليهود بأشد مما قام به أعضاء هذه المنظمة، وكذلك قيامهم ضد دولتهم الجديدة هل هو شرعي؟) فكان جواب الشيخ ـ رحمه الله ـ: (نسمع أنهم يقومون بعمليات ضد اليهود، ونحن نرى أن اليهود أهل غدر وخيانة، ولا يمكن أن يفوا لأحد، وإن تظاهروا بما يتظاهرون به، فوراء هذا التظاهر ما وراءه من الشر، وإذا كانوا لم يفوا بالعهد لأشرف البشر محمد # فكيف بمن دونه؟! نفهم أن اليهود أهل غدر وخيانة، وأما عملية حماس أو غيرها فنقول للسائل: إذا كنت مندوباً عنهم، فأثبت لنا ذلك ونحن نفتيك إن شاء الله)(2). والمقصود أن المخلِص الصادق في السؤال يجب عليه أن يصـوغ سؤاله في قالب محايد لا يوجه المفتي لقول دون آخر، بل يتـجرد في الـمَخْبَر والصـورة ليتجرد له الحق بإذن الله، فإن الفتيا متى ما وقعت على وجهها وصورتها في الواقع ففتيا صحيحة، وإلا كانت فتيا باطلة لا يعذر المستفتي بالعمل بها، وكم ترى من خلاف تظنه بين العلماء والمفتين، وحقيقته أنه عائد إلى اختلاف أسئلة المستفتين، وما يرومونه من إجابات. وخاتمة المقال وزبدته ولبابه، والذي عليه المدار في شأن الاستفتاء إصلاح الباطن؛ فإنه متى ما صلح صلح الظاهر، ومتى ما فسد فسد الظاهر جزاء وفاقاً، وإن هذا الصلاح والإصلاح واجب متعين على المستفتي، إن أداه وصدق فيه؛ فهو الموفق في أمر استفتائه، أصاب الحق أم أخطأه، وإن ضل عنه لم ينفعه صلاح الفتيا، بل عليه وزر الفساد، وواجب المستفتي لا يخرج عما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في كلمة مختصرة له حيث قال: (وإذا نزلت بالمسلم نازلة فإنه يستفتي من اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله من أي مذهب كان)(3)؛ فهو يطلب من يفتيه بشرع الله ورسوله لا لشهوته وهواه. أسأل الله الكريم أن يصلح نياتنا وأعمالنا وأحوالنا إنه خير مسؤول، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
| طريقة عرض الموضوع | تقييم هذا الموضوع |
|
|
![]() |
![]() |